أبي بكر جابر الجزائري
42
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ : أي فلله وحده الوصف بالجميل لإنجاز وعيده لأعدائه . وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ : أي العظمة والحكم النافذ الناجز على من شاء . وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ : أي وهو العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبير خلقه . معنى الآيات : ما زال السياق في عرض مشاهد القيامة وبعض ما يتم فيها من عظائم الأمور لعل السامعين لها يتعظون بها فقال تعالى : وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ « 1 » يَسْتَهْزِؤُنَ أي وظهر للمشركين المكذبين بالبعث والجزاء ظهر لهم وشاهدوا العذاب الذي كانوا إذا ذكروا به أو خوفوا منه استهزءوا به وسخروا منه . وقد حل بهم ونزل بساحتهم وأحاط بهم وقال لهم الرب تعالى الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا أي نترككم في عذاب النار كما تركتم العمل المنجى من هذا العذاب وهو الإيمان والعمل الصالح بعد التخلي عن الشرك والمعاصي . وَمَأْواكُمُ « 2 » النَّارُ أي هي مأواكم ودار إقامتكم وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ أي وليس لكم من ينصركم فيخلصكم من النار ، وعلة هذا الحكم عليهم بيّنها تعالى بقوله ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً « 3 » وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي حكم عليكم بالعذاب والخذلان بسبب اتخاذكم آيات اللّه الحاملة للحجج والبراهين الدالة على وجود اللّه ووجوب توحيده وطاعته هزوا أي شيئا مهزوا به ، وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا بزخرفها وزينتها ، وطول اعماركم فيها فلم تؤمنوا ولم تعملوا صالحا ينجيكم من هذا العذاب الذي حاق بكم اليوم . قال تعالى فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وترك مخاطبتهم إشعارا لهم بأنهم لا كرامة للّه لهم اليوم فلم يقل فاليوم لا تخرجون منها ، بل عدل عنها إلى قوله فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أي لم يطلب منهم أن يعتبوا ربهم بالتوبة إليه ، إذ لا توبة بعد الموت والرجوع إلى الدنيا غير ممكن في حكم اللّه وقضائه . وهنا تعظم حسرتهم ويشتد العذاب عليهم ويعظم كربهم . وقوله تعالى : فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ « 4 » السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي رب كل شئ ومليكه حمد نفسه ، وقصر الحمد عليه بعد أن أنجز ما أوعد به الكافرين ، وذكر موجب الحمد وهو سلطانه القاهر في السماوات وفي الأرض ، وقوله وَلَهُ الْكِبْرِياءُ « 5 » أي العظمة والسلطان فِي
--> ( 1 ) من أنواع الاستهزاء ما روي أن العاص بن وائل قال لخباب بن الأرت وقد طالبه بدين له عليه لئن بعثت كما تقول لأوتين مالا وولدا في الآخرة فاقض منه دينك . ( 2 ) التعبير بالمأوى إشارة إلى تأييد الخلود فيها إذ المأوى مكان الإيواء والاستقرار ولامكان غيره . ( 3 ) الهزء مصدر كالخلق أطلق أريد به اسم المفعول أي مهزوءا به . ( 4 ) الفاء للتفريع فهذه الجملة ( الحمد للّه ) والثناء عليه متفرع عما ورد في هذه السورة من مظاهر ربوبيته تعالى وألطافه وإحسانه بإحقاق الحق وإبطال الباطل وعدله في قضائه بين عباده . ( 5 ) تقديم الجار والمجرور في قوله فلله الحمد ، وقوله وله الكبرياء مؤذن بالحصر والاختصاص والكبرياء هي الكبر الحق العظيم وهما الكمال في الذات والكمال في الصفات والوجود .